ابن كثير
327
البداية والنهاية
خرج الحق من الكوة . وقال إبراهيم بن الجنيد : حدثنا إبراهيم بن سعيد ، عن عبد المنعم بن إدريس ، عن عبد الصمد ، عن وهب بن منبه قال : مر نبي من الأنبياء على عابد في كهف جبل ، فمال إليه فسلم عليه وقال له : يا عبد الله منذ كم أنت هاهنا ؟ قال : منذ ثلاثمائة سنة . قال : من أين معيشتك ؟ قال : من ورق الشجر ، قال : فمن أين شرابك ؟ قال : من ماء العيون ، قال : فأين تكون في الشتاء ؟ قال : تحت هذا الجبل ، قال : فكيف صبرك على العبادة ؟ قال : وكيف لا أصبر وإنما هو يومي إلى الليل ، وأما أمس فقد مضى بما فيه ، وأما غد فلم يأت بعد . قال فعجب النبي من قوله : إنما هو يومي إلى الليل . وبهذا الاسناد أن رجلا من العباد قال لمعلمه : قطعت الهوى فلست أهوى من الدنيا شيئا . فقال له معلمه : أتفرق بين النساء والدواب إذا رأيتهن معا ؟ قال : نعم ، قال أتفرق بين الدنانير والدراهم والحصا ؟ قال : نعم ، قال : يا بني إنك لم تقطع الهوى عنك ولكنك قد أوثقته فاحذر انفلاته وانقلابه . وقال غوث بن جابر بن غيلان بن منبه : حدثني عقيل بن معقل ، عن وهب قال : اعمل في نواحي الدين الثلاث ، فإن للدين نواحي ثلاثا ، هن جماع الأعمال الصالحة لمن أراد جمع الصالحات " أولاهن " تعمل شكر الله على الانعام الكثيرات الغاديات الرائحات ( 1 ) ، الظاهرات الباطنات ، الحادثات القديمات ، يعمل المؤمن شكرا لهن ورجاء تمامهن " والناحية الثانية من الدين " رغبة في الجنة التي ليس لها ثمن وليس لها مثل ، ولا يزهد فيها وفي العمل لها إلا سفيه فاجر ، أو منافق كافر " والناحية الثالثة من الدين " أن يعمل المؤمن فرارا من النار التي ليس لأحد عليها صبر ، ولا لاحد بها طاقة ولا يدان ، وليست مصيبتها كالمصيبات ، ولا حزن أهلها كالأحزان ، نبأها عظيم ، وشأنها شديد ، والآخرة وحزنها فظيع ، ولا يغفل عن الفرار والتعوذ بالله منها إلا سفيه أحمق خاسر ، ( قد خسر الدنيا ذلك هو الخسران المبين ) [ الحج : 11 ] . وقال إسحاق بن راهويه : حدثنا عبد الملك بن محمد الدمادي ، قال : أخبرني محمد بن سعيد بن رمانة قال : أخبرني أبي قال : قيل لوهب : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله ؟ قال : بلى ، ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان ، فمن أتى الباب بمفتاح بأسنانه فتح له ، ومن لم يأت الباب بمفتاح بأسنانه لم يفتح له . وقال محمد : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، حدثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول : ركب ابن ملك في جند من قومه وهو شاب ، فصرع عن فرسه فدق عنقه فمات في أرض قريبة من القرى ، فغضب أبوه وحلف أن يقتل أهل تلك القرية عن آخرهم ، وأن يطأهم بالأفيال ، فما أبقت الأفيال وطئته الخيل ، فما أبقت الخيل وطئته الرجال ، فتوجه إليهم بعد أن سقى
--> ( 1 ) الغاديات : مفردها الغادية وهي السحابة تنشأ غدوة . والرائحات : الأمطار أو السحب التي تجئ رواحا أي عند العشي .